مرحبا بكل من يحب العلم و يسعى إليه

المواضيع الأخيرة


    ادارة الموارد البشرية

    شاطر

    chimene
    عضو فعال جدا
    عضو فعال جدا

    انثى عدد الرسائل : 111
    العمر : 30
    أعلام الدول :
    نقاط : 267
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 17/06/2010

    ادارة الموارد البشرية

    مُساهمة من طرف chimene في الأحد نوفمبر 13, 2011 6:05 pm

    إدارة الموارد البشرية الإستراتيجية شهد العالم خلال السنوات القليلة الماضية –ولا يزال- عدداً من المتغيرات الأساسية والتي طالت مختلف جوانب الحياة المعاصرة، ومست كافة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في دول العالم على اختلاف درجاتها في التقدم والنمو. كذلك أثرت تلك المتغيرات على هيكل القيم ونسق العلاقات المجتمعية في كثير من دول العالم إلى الحد الذي يبرر القول بأننا نعيش الآن "عالم جديد" يختلف كل الاختلاف عن سابقه والذي ساد عبر القرون السابقة وحتى بدايات الثمانينات من هذا القرن. وتتركز أهم عوامل ومسببات التغيير الذي ساد- ولا يزال- العالم فيما يلي: - الثورة العلمية التي أسهمت في تحرير الطاقات البشرية واستثمار مصادر الطبيعة وتكوين القدرات الأعلى لاستغلال الثروات الكامنة إلى أبعد مدى يمكن للعقل الإنساني تصوره. - الطفرات والإنجازات التقنية غير المسبوقة والتي مكنت الإنسان من زيادة الإنتاج وتحسين الكفاءة والفعالية في مختلف العمليات الإنتاجية، وحققت للإنسان قدرات غير محدودة لابتكار وتطوير أساليب إنتاجية متفوقة من حيث الكم والكيف. - الثورة الهائلة في مجالات الاتصالات وما حققته من ربط وتواصل بين أجزاء العالم وكرست فعلياً مفهوم أن العالم قرية صغيرة. - الطفرات الهائلة في تقنيات الحاسبات الآلية والتراكمات المتوالية في القدرات الحسابية وحجم الذاكرة وسرعة العمليات التي تؤديها الحاسبات الآلية من الأجيال الحالية والتي تتفوق بمراحل شاسعة على أحلام وتوقعات أكثر المتفائلين بقدرات الحاسبات منذ سنوات قليلة فقط، ناهيك عن السهولة الفائقة والتيسير المتواصل في أساليب التعامل مع الحاسبات واستخدامها لغير المتخصصين، وتطوير البرمجيات لفتح آفاق الاستخدام غير المحدود الذي لا يتطلب خبرة سابقة من جانب المستخدم العادي. إضافة إلى كل هذا فإن الانخفاض المتواصل في أسعار الحاسبات يجعلها باستمرار في متناول أعداد غفيرة من المستخدمين في مختلف مجالات الحياة. - التكامل والاندماج بين تقنيات الحاسبات الآلية والاتصالات والإلكترونيات لتشكيل التقنية الأفعل والأخطر في عصرنا الجديد وهي تقنية المعلومات بكل ما تعنيه من إمكانيات وآفاق لا محدودة وآثار عميقة في إعادة تشكيل المنظمات ونظم العمل وعلاقات البشر وتفاعلهم مع الآلة في مواقع الإنتاج والخدمات المعاصرة. وقد ترتب على تلك المتغيرات جميعاً ظاهرة متميزة تمثل اختلافاً نوعياً في شكل وأسلوب التنظيم الإنساني المعاصر، تلك هي ظاهرة "العولمة"، و ما يحلو للبعض تسميتها "الكونية" Globalization. وفي تعبير موجز يمكن تعريف العولمة بأنها التواصل والتفاعل في الأنشطة الإنسانية الذي يتعدى الحدود التقليدية بين الدول والأقطار لاغياً بذلك حدود المكان وقيود الحركة والاتصال بما يحقق أيضاً التخفف من قيود الوقت والزمان.
    وبذلك فإن العولمة تتيح الفرص للانتشار واستخدام طاقات تتجاوز الحيز المحلي لأي منظمة تتعامل في مجالات الإنتاج والخدمات في العصر الحالي، وتحقق الوصول إلى مساحات وشرائح في الأسواق العالمية ومصادر للموارد على اختلاف أشكالها في مختلف أجزاء العالم كان الوصول إليها من قبل أقرب إلى المستحيل منه إلى الممكن.
    والمحصلة الرئيسية لظاهرة العولمة- المستندة إلى كل التقنيات والمتغيرات المتصلة- أن مفاهيم ونظم وأساليب التعامل في مختلف مجالات الحياة التي سادت العصر السابق لها لم تعد تتناسب مع معطيات العصر الجديد، بل وأصبحت عائقاً رئيسياً يحول دون الاستفادة من الفرص التي تتيحها العولمة والتقنيات المساندة لها، الأمر الذي يوجب البحث في ابتكار وتنمية منظومات جديدة من المفاهيم والنظم والآليات المتوافقة مع متطلبات العولمة.
    من جانب آخر يسود العالم الآن اهتمام غير مسبوق بنتائج البحث العلمي والتطوير التقني وما نشأ عنهما من تراكم معرفي يمثل رصيداً متجدداً من المعلومات وتحليلاتها والاستدلالات الناتجة عنها تمس كل قطاعات الحياة وتؤثر على مسيرة وتوجهات النشاط الإنساني في جميع الاتجاهات، الأمر الذي دعا الكثيرين من العلماء والمفكرين لإطلاق اسم عصر المعرفة على المرحلة التاريخية التي نعيشها الآن.
    وقد ترتب على ظاهرة العولمة آثار مهمة كان لها وقع محسوس في مختلف مؤسسات وهياكل المجتمعات المعاصرة وآلياتها وتتمثل تلك الآثار فيما يلي: - إسقاط المفاهيم والقيم والأسس- ومن ثم الأساليب- التي سادت في عصر ما قبل العولمة، ونشأة مجموعة جديدة من تلك المفاهيم تجعل "العالم" كله مجالاً ممكناً ومحتملاً للتعامل. - انهيار مفهوم "الزمان" حيث تداخلت الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل بفضل التقنيات العالية المتاحة، كما تحول مفهوم "الوقت" من قيد Constraint إلى مورد Resource، وانهار إلى حد كبير مفهوم الثبات أو الاستقرار فالتغيير هو الثابت الوحيد. - تحول معنى التنظيم من كيان ثابت جامد مغلق على نفسه إلى كيان حي منفتح ومتعلم Learning يتعامل في الأساس مع المناخ الخارجي. - بروز قوة المنافسة باعتبارها العامل الحاسم في تحديد ما يمكن للمنظمة أن تحصل عليه في السوق الذي تتعامل- أو تريد أن تتعامل- فيه، ومن ثم أهمية أن تستند المنظمة التي تريد البقاء إلى "قدرات تنافسية" تعكس المميزات التي تتفوق بها على المنافسين وتصل بواسطتها إلى تحقيق أعلى المنافع للعملاء وغيرهم من أصحاب المصلحة Stakeholders، وبالتالي تنجح في الحصول على موقع متميز في السوق تستمر في التمتع به طالما حافظت على رصيدها من القيم والأساليب المتجددة التي تتناسب وتتعامل بكفاءة مع الظروف الجديدة والمتغيرة باستمرار [فكر جديد لعالم جديد]. - تصدع العلاقات التي استقرت بين الدول والمنظمات والمؤسسات على المستويات المحلية والإقليمية والمحلية حيث تخفت معايير "المواطنة" وتسود عوضاً عنها معايير تتجاوز حدود الوطن الواحد، وتقل إلى أبعد مدى إمكانيات الدعم والحماية وفرص الانعزالية التي كانت تسود المعاملات والعلاقات فيما بين منظمات الدولة الواحدة في عصر ما قبل العولمة. - تغيير مفهوم "الحيز" أو "النطاق" الذي اعتادته المنظمات محلية الطابع وحل مكانه العالم كله كمجال محتمل لفعاليات المنظمة. أي منظمة- حيث ساعدت تقنية المعلومات المعاصرة المتمثلة في الشبكة العالمية إنترنت في تجسيد هذه الإمكانية للمنظمات من كل نوع وحجم للتعامل في السوق العالمي بكفاءة لم تكن تستطيعها من سنوات قليلة مضت سوى المنظمات العملاقة. - تخافت مفاهيم وعادات الانعزالية والتباعد بين المنظمات -وفيما بين وحداتها الداخلية-، وبزوغ عصر الشبكات Networks والتحالفات Alliances وغيرها من صيغ الترابط المختلفة بين المنظمات وفيما بين مكونات كل منها الذاتية، وسيادة منطق التكامل Integration بدلاً من التجزأ والتضارب. - تعالي قيمة الجودة بمعناها الشامل والذي يعبر عنه بأداء الأعمال الصحيحة صحيحة من أول مرة Doing right things right first time ، ومن ثم تحقيق رضاء العملاء الخارجيين والعملاء الداخليين [وهم العاملين القائمين على تنفيذ مختلف عمليات المنظمة]، وهي المفاهيم التي شاع التعبير عنها بإدارة الجودة الشاملة (TQM) Total Quality Management.
    وقد أصبح الانخراط في سلك العولمة يرادف "المعاصرة الحديثة"، وتتباين المجتمعات في درجات التهيؤ والاستعداد لهذا الانخراط الذي يقتضي الأخذ بجملة عناصر ثورة العولمة الجديدة، حيث لا يجدي الأخذ ببعض من عناصرها وترك العناصر الأخرى، وذلك حتى تتاح للمجتمع فرص المشاركة في العالم الجديد وإلا يتعرض للتهميش على خريطة العالم.
    وكانت "الإدارة" من أكثر الظواهر المجتمعية تأثراً بحركة المتغيرات العالمية وانطلاقات العولمة والثورات العلمية والتقنية الهادرة، وذلك كونها-أي الإدارة- مجموعة من المفاهيم والتوجهات الفكرية في الأساس ومغلفة بتأثيرات اجتماعية وثقافية تتصل بالمجتمع الذي تمارس فيه وتعكس مميزاته وخصائصه. ومن ثم، فكل ما يصيب المجتمع من مؤثرات ومتغيرات، وكل ما يحدث فيه من تطورات اقتصادية وسياسية وثقافية وتقنية وعلمية واجتماعية إنما يصيب في ظاهرة "الإدارة" والتي بدورها تتحول لتكون أداة مؤثرة وفاعلة في مزيد من التحريك والتغيير المجتمعي.
    وفي خضم هذه التحولات بدأ الاهتمام بالموارد البشرية يتزايد في المنظمات المعاصرة حيث تبينت الإدارة الدور المهم الذي تقوم به تلك الموارد في المساعدة على تحقيق أهداف المنظمات. من جانب آخر، فقد شاع استخدام مفاهيم الإدارة الاستراتيجية في منظمات الأعمال وغيرها من المنظمات الهادفة إلى تحقيق نتائج وأهداف محددة- ومتعاظمة- باستخدام الموارد البشرية والمادية والتقنية. ومن ثم بدأ التزاوج -وهو أمر منطقي- بين إدارة الموارد البشرية وبين الإدارة الاستراتيجية. وقبل سنوات قليلة كان الاهتمام بشئون الموارد البشرية ينحصر في عدد قليل من المتخصصين الذين يعملون في تقسيم تنظيمي متخصص يطلق عليه قسم أو إدارة الأفراد أو الموارد البشرية يختصون بكافة المسائل الإجرائية المتصلة باستقطاب الأفراد وتنفيذ سياسات المنظمة في أمور المسائل الإجرائية المتصلة باستقطاب الأفراد وتنفيذ سياسات المنظمة في أمور المسائل الإجرائية المتصلة باستقطاب الأفراد وتنفيذ سياسات المنظمة في أمور المفاضلة والاختيار بين المتقدمين لشغل الوظائف، ثم إنهاء إجراءات التعيين وإسناد العمل لمن يقع عليهم الاختيار. وكانت مهام إدارة الموارد البشرية تشمل متابعة الشئون الوظيفية للعاملين من حيث احتساب الرواتب، ضبط الوقت والحضور والانصراف، وتطبيق اللوائح في شأن المخالفات التي قد تصدر منهم، وتنفيذ إجراءات الإجازات على اختلاف أنواعها، ومباشرة مسائل الرعاية الطبية والاجتماعية، وتنفيذ نظم تقييم الأداء، وأعمال التدريب والتنمية التي يشير بها المديرون المختصون، ثم متابعة إجراءات إنهاء الخدمة في نهاية التعاقد أو بلوغ سن التقاعد حسب الأحوال. وكانت أهم مساهمات دارة الموارد البشرية هي الاستجابة إلى طلبات الإدارات المختصة بالإنتاج والخدمات الرئيسية في المنظمة، وتوفير احتياجاتها من الموارد البشرية.
    وبشكل عام كانت إدارة الموارد البشرية تهدف إلى تحقيق النتائج التالية:
    - توفير احتياجات المنظمة من العناصر البشرية ذات المهارة والولاء، والاحتفاظ بهم في خدمة المنظمة. - تنمية مهارات وفعاليات الأفراد في تحقيق أهداف المنظمة بتوفير فرص التعلم والتدريب المستمرة. - تطوير النظم المؤدية إلى البحث الكفء عن الأفراد المناسبين لاحتياجات المنظمة، ونظم الاختيار والتعيين، ونظم تحديد الرواتب والمكافآت، ونظم التدريب والتنمية وتقييم الأداء. - تطوير نظم وآليات رعاية الأفراد وإدماجهم في نسيج المنظمة باعتبارهم أعضاء في أسرة ومن أصحاب المصلحة فيها. - العمل على تنمية سبل تعاون العاملين مع فريق الإدارة بالمنظمة وتوثيق العلاقات بينهم من أجل تحقيق الأهداف العامة للمنظمة، ومن خلال ذلك يتم تحقيق المصالح الشخصية للعاملين وفريق الإدارة. - السعي إلى تنمية التعاون فيما بين العاملين أنفسهم وبث روح الفريق. - المساعدة في حل مشكلات العاملين ومحاولة إزالة الفروق الناشئة عن الاختلافات بينهم من حيث النوع، السن، الجنسية، الثقافة وغيرها من الفروق الفردية. ولكن هذه الأهداف التي تبدو مثالية وطموحة لم تكن عادة تجد الفرص للتحقيق حيث لم تكن الإدارة العليا في معظم المنظمات تولي الموارد البشرية الاهتمام المتناسب مع دورها في المنظمة. ولعل ما يلي هي أهم الأسباب التي حالت بين الإدارة العليا وبين الاهتمام بأمور الموارد البشرية في كثير من المنظمات في دول العالم- ومنها المنظمات العربية: - حالات الاستقرار الاقتصادي النسبية والنمو المتواصل في الكثير من المنظمات دون مشكلات كبيرة. - المستويات المعتادة من المنافسة، وتعادل المراكز والقدرات التنافسية لكثير من المنظمات. - حالات الاستقرار التقني النسبية وتواضع المهارات والقدرات البشرية المطلوبة للتعامل مع التقنيات السائدة. - توفر الموارد البشرية ذات القدرات العادية والمتناسبة مع احتياجات المنظمات.
    في تلك الظروف المتصفة أساساً بالاستقرار لا يمثل الحصول على الموارد البشرية المطلوبة مشكلة، كما أن تواضع المستويات المهارية المطلوبة لم يكن يتطلب عناية خاصة في محاولات البحث عن الموارد البشرية أو التعامل معها.
    وقد سادت مثل هذه الظروف في كثير من دول العالم لفترات طويلة خلال فترة النهضة الصناعية التي تمتع بها العالم الغربي، وانتقلت نسبياً إلى بعض دول العالم العربي. في تلك الظروف كانت أهم المشكلات التي تعنى بها الإدارة العليا في منظمات الأعمال هي تدبير الموارد المالية اللازمة، وتنميط أساليب الإنتاج وتحقيق مستويات أعلى من الميكنة تحقيقاً لمستويات أعلى من الإنتاجية. ومع تنامي السوق لم تكن حتى عمليات التسويق تثير اهتمام الإدارة العليا التي كان همها الأول هو الإنتاج. ويلاحظ أن الكثير من فرق الإدارة العليا في المنظمات العربية لا تزال تسير وفق هذه الفلسفة التي ترى الإنتاج مشكلتها الأولى.
    وبالنسبة للمنظمات الحكومية في كثير من دول العالم، فقد كانت تسير وفي نظم تقليدية تتعامل مع الموارد البشرية باعتبارهم أدوات في النظام البيروقراطي الذي يركز على كفاءة العمليات والإجراءات، واستكمال النماذج والمستندات، ويخضع العاملين لنظم ولوائح وإجراءات لأداء المهام المنوطة إليهم لا تترك لهم مساحة تذكر للتفكير أو الإبداع أو حرية اتخاذ القرارات، فهم آلات تؤدي مهام حسب القواعد. وبذلك لم تكن الإدارة العليا في تلك المنظمات الحكومية معنية هي الأخرى بقضايا إدارة الموارد البشرية وإحالتها بالكامل إلى مستويات تالية من الموظفين المتخصصين في أمور تطبيق القوانين والنظم المتصلة بشئون الأفراد.
    ولكن تلك الظروف لم تدم على هذا النحو، فقد أصاب العالم كله حالات من التغيير المستمر والمتواصل والعنيف ذات التأثير المباشر على هيكلية الموارد البشرية وقدراتها جميعاً. ولعل أبرز تلك التغييرات ما يلي: - التطورات العلمية والتقنية وانتشار تطبيقاتها خاصة تقنيات المعلومات والاتصالات، والتي يتطلب استيعابها وتطبيقها بكفاءة توفر نوعيات خاصة من الموارد البشرية. - تسارع عمليات الابتكار والتحديث في المنتجات والخدمات استثماراً للتقنيات الجديدة، والاهتمام المتزايد بتنمية المهارات الابتكارية والإبداعية للعاملين وإتاحة الفرص أمامهم للمساهمة بأفكارهم وابتكاراتهم لتنمية القدرات التنافسية للمنظمات. - اشتداد المنافسة واشتعالها بين المنتجين القائمين وغيرهم من المنتجين الجدد الذين يجدون فرص الدخول في المجال الإنتاجي ميسرة نتيجة التقنيات الجديدة، واتساع الأسواق وتنامي الطلب، الأمر الذي خلق طلباً متزايداً على نوعيات جديدة ومتميزة من المختصين في مجالات البيع والتسويق والترويج لمواجهة تلك الهجمات التنافسية والمحافظة على العلاقات مع العملاء وصيانتها. - ظاهرة العولمة وانفتاح الأسواق العالمية أمام المنظمات مع تطبيق اتفاقيات الجات وظهور منظمة التجارة العالمية ودورها في تحرير التجارة الدولية من خلال إزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية أمام حركة التجارة الدولية سواء في السلع أو الخدمات، الأمر الذي أوجد احتياجاً متزايداً لنوعية جديدة من الموارد البشرية تتفهم الثقافات المختلفة وتستوعب المتغيرات المحلية في الأسواق الخارجية التي بدأت المنظمات تتجه إليها بقوة، فضلاً عن إجادة اللغات الأجنبية والقدرة على العمل في مناخ مختلف ومتغير بحسب الموقع الذي يعهد إليها بالعمل فيه. - ارتفاع مستوى التعليم وتطور مهارات البشر ذوي المعرفة المتخصصين في فروع العلم والتقنية الجديدة والمتجددة والذين أصبحت المنظمات تسعى إليهم لأهميتهم في تشغيل تلك التقنيات وصيانتها، ومن ثم اكتساب القدرات التنافسية.
    تلك التغيرات كانت السبب الأهم في تغير نظرة الإدارة العليا في المنظمات المعاصرة إلى الموارد البشرية، وبداية التحول نحو اعتبارهم المصدر الأساسي للقدرات التنافسية وأكثر الأصول أهمية وخطورة في المنظمة. وبذلك بدأت الإدارة المعاصرة تبحث عن مفاهيم وأساليب جديدة لإدارة الموارد البشرية تتناسب مع أهميتها وحيوية الدور الذي تقوم به، ومن ثم بدأ الاهتمام بقضية إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية.
    الفصل الأول الملامح الرئيسية لإدارة الموارد البشرية في عصر العولمة
    1. التوجهات البارزة في العالم اليوم تسود العالم اليوم مجموعة من التوجهات البارزة تعبر عن مجمل التغيرات الجذرية التي طالت مختلف جوانب المجتمع العالمي. وتدل تلك التوجهات على أوضاع جديدة ومتجددة في هيكل النظام العالمي من أهمها: - أنماط جديدة في العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين دول العالم وفيما بين تكتلات ومجموعات دولية تتصارع على قيادة النظام العالمي الجديد والسيطرة على حركته. - أوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية متغيرة داخل البلد الواحد، أنشأت حالات جديدة تماماً في أنماط الحياة والاستهلاك وتوجهات العمل والإنتاج. - قوى التغيير والتطوير الفاعلة وذات التأثير الشامل والعميق في عناصر ومكونات النظم الاقتصادية والاجتماعية الكلية Macro والجزئية Micro، ومن أهمها التطورات التقنية وثورة الاتصالات والمعلومات. ويمكن رصد أهم التوجهات البارزة في عالمنا المعاصر- والتي تمهد لعالم الغد- فيما يلي: - التحول نحو نظام عالمي تسوده قوة عظمى واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى لإعادة تشكيل الوضع العالمي بما يحقق لها السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية والنفوذ الثقافي الشامل. - التحول في معظم دول العالم نحو اقتصاديات السوق وتأكيد الدور الفاعل والأساسي للقطاع الخاص، وإتاحة الفرص للاستثمار الخاص سواء الوطني أو الأجنبي لمباشرة الدور الأكبر في حقل التنمية الاقتصادية وفقاً لقواعد اللعبة الرأسمالية. - التوجه لتكوين تجمعات اقتصادية إقليمية تعمل على حشد القوى وتوفير مجالات أرحب للتعاون الإقليمية، ولمعادلة الآثار التي نشأت عن التوجه الدولي لتحرير التجارة وفقاً لاتفاقيات الجات 1994، وفي مقدمة تلك التكتلات المجموعة الأوروبية، مجموعة الآسيان، مجموعة باسفيك ونافتا التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. كما تجري مجالات منذ عدة سنوات لإقامة السوق الشرق أوسطية. - الانطلاقة الهائلة للثورة التقنية والعلمية وانتشار تطبيقاتها في مختلف مجالات الحياة والسيطرة المتزايدة لتقنية المعلومات والاتصالات ICT على قطاعات الإنتاج والخدمات وحتى الحياة المجتمعية والأسرية. - اشتداد المنافسة العالمية، والاعتماد المتزايد على البحث والتطوير كأساس لخلق الميزات التنافسية للمنظمات والدول Competitive Advantages، وتخافت القيمة التقليدية للميزات النسبية Comparative Advantages التي طالما اعتمدت عليها الاقتصاديات الكلية والجزئية. - وفي ذات الوقت، ونتيجة اشتداد المنافسة والتصارع على الأسواق، وضخامة الاستثمارات اللازمة لتمويل مشروعات البحوث والتطوير، برز اتجاه قوي لتكوين تحالفات Alliances بين المتنافسين لتحسين فرصهم في غزو الأسواق ومواجهة باقي المنافسين.
    وفي قمة تلك التحولات والتغييرات ظهرت العولمة Globalization باعتبارها التعبير الشامل عن الحالة الجديدة للعالم اليوم، وأصبحت منظمات الأعمال في مختلف دول العالم تسعى لاستثمار الفرص السانحة في تلك السوق العالمي الكبيرة اعتماداً على تقنيات المعلومات والاتصالات، وتوافقاً مع مجمل التوجهات السابقة والتي تشير كلها إلى قيام سوق عالمية واحدة لا تفصل بين أجزاءها الحواجز أو المعوقات التقليدية.
    2. أهم التحولات ذات التأثير على إدارة الموارد البشرية
    الثورات العلمية والتقنية
    يمثل انطلاق الثورة العلمية والتقنية العامل الحاسم في حركة وأوضاع نظم الأعمال في العالم بما حققته من توفير طاقات إنتاجية لا متناهية وإبداعات وقدرات متسارعة على تطوير السلع والخدمات. وقد أدت تلك الثورات العلمية والتقنية إلى ما يشابه القدرة على إلغاء آثار القيود التقليدية التي اعتادت "الإدارة" أن تعمل في ظلها، وساعدتها في التخلص من قيود ومحددات كانت دائماً من عوامل تحجيم القدرات الإنتاجية. ويبرز في هذا المجال ما حققته التقنيات الجديدة من تجاوز لقيود وحدود المكان والزمان وندرة الخامات والموارد الطبيعية وضرورات النمطية في نظم الإنتاج الكبير. وكان لتلك التطورات العلمية والتقنية تأثيراتها المهمة في تشكيل الموارد البشرية في المنظمات المعاصرة من حيث الكم والكيف. فمن ناحية أصبحت الأعداد المطلوبة من العاملين بشكل عام أقل كثيراً نتيجة إحلال التقنيات الجديدة محل الأفراد، كما أن نوعيات الخبرة ومستويات المهارة والتأهيل اللازمة في أفراد المنظمات المعاصرة اختلفت كثيراً وفق متطلبات التعرف على التقنيات الجديدة وضرورات استيعابها والتعامل معها بكفاءة. وقد نتج عن كل ذلك تغييرات جوهرية في أنماط الإعداد والتدريب والتنمية للموارد البشرية، وكذلك مجمل النظم المتعلقة بإدارة الموارد البشرية من حيث تصميم الأداء وتوجيهه، وعلميات قياس وتقييم الأداء، وأنماط وأسس تحديد الرواتب والمكافآت. كذلك ونتيجة لارتفاع المستوى العلمي والمعرفي للعاملين في المنظمات المعاصرة نما الاتجاه نحو تمكين العاملين Empowerment وإشراكهم في تحميل مسئوليات اتخاذ القرارات. ولا شك أن الثورة العلمية والتقنية كانت عاملاً مهماً في تيسير عولمة الأسواق والإسراع بمعدلات نمو التجارة الإلكترونية من خلال تقنيات الاتصالات والحاسبات الإلكترونية التي تأتي شبكة الإنترنت نتيجة مباشرة لها.
    إن حجم التعاملات الدولية عبر شبكة الإنترنت في تزايد مطرد ويؤكد حقيقة حرية التجارة الدولية وتخطيها الحدود الوطنية والضوابط الحكومية حتى قبل إتمام تنفيذ مقررات اتفاقيات الجات، الأمر الذي يؤكد أهمية التحول نحو نوعية جديدة من الموارد البشرية تتناسب مع الأوضاع المعاصرة.
    عالمية الأسواق وتحرير التجارة
    وتأتي عملية انفتاح الأسواق الوطنية وتحولها إلى سوق واحدة عالمية بمثابة قوة دافعة قوية تعمل في اتجاه تمييز الشركات والمؤسسات التي تمتلك القدرات الإنتاجية والتقنية والقدرات التنافسية المناسبة، وتيسر لها الدخول في تلك السوق العالمية وتحقيق مراكز تنافسية متينة فيها. وقد كان هذا التحول عاملاً رئيسياً في توجيه اهتمام الإدارة في المنظمات المعاصرة نحو البحث عن الموارد البشرية المتميزة القادرة على التغلغل في تلك الأسواق الجديدة والمتنوعة. كما أن تواجد المنظمات في دول متعددة ألزمها التعامل مع الموارد البشرية الوطنية، ومن ثم بدأت أهمية فكرة إدارة التنوع في مجال إدارة الموارد البشرية وذلك نتيجة اختلاف الثقافات والعادات والقيم بين العاملين من دول مختلفة، حيث تسعى الشركات العالمية أو متعدية الأممية إلى تشكيل مواردها البشرية من جنسيات متعددة تتوافق مع تعدد الدول التي تتواجد فيها تلك الشركات.
    وكان توقيع اتفاقيات الجات وإنشاء منظمة التجارة العالمية عنصراً فاعلاً ومؤثراً في إعادة تشكيل السياسات الاقتصادية وأسس تنظيم قطاعات الأعمال في الدول الموقعة على الاتفاقيات والملتزمة بتنفيذ ما نصت عليه من إلغاء تدريجي خلال سنوات محدودة للرسوم والضرائب الجمركة على الواردات، وكذا إلغاء كافة أشكال الحماية غير الجمركية وفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الوافدة من خارجها، وتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية هائلة نتيجة اختلاف المواقف النسبية لقطاعات الإنتاج الوطنية في كثير من دول العالم وعدم قدرتها على مواجهة المنافسة الطاغية الآتية من الدول المتقدمة اقتصادياً.
    وينصب تأثير هذا المتغير ليس فقط على فكر وتقنيات إدارة الموارد البشرية في إطلاقها، وإنما وبالدرجة الأولى فإن تأثيرها موجه إلى القيادات الإدارية العليا التي سيكون عليها تغيير أفكارها وأساليب تعاملها ومعاييرها في اتخاذ القرارات لتتوافق مع متطلبات التعامل في سوق عالمية مفتوحة، ولمواجهة تحركات المنافسين الآتين من الخارج دون عوائق، وكذا للعمل في ظروف جديدة تخلو من الضمانات وأشكال الحماية والرعاية من الدولة كما في السابق.
    كذلك يصب في هذا الاتجاه حركة تكوين التجمعات الاقتصادية الإقليمية التي تحاول إقامة نوع من التوازن بين مصالح الدول المكونة للتجمع الإقليمي وبين ضرورات الانصياع لمتطلبات تحرير التجارة الدولية التي تفرضها الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها الذاتية بالدرجة الأولى. ففي هذه الحالات يكون المطلوب نوعيات متميزة من القيادات الإدارية العليا والأفراد المختصين بالتعامل في إطار تلك التجمعات. كما يصب في نفس الاتجاه حركة التعاون الأوروبي مع دول البحر المتوسط والمتمثلة في اتفاقيات المشاركة مع بعض دول المنطقة العربية.
    التحولات السياسية والتوجه نحو الديمقراطية
    كان انهيار الاتحاد السوفيتي القديم وما تبعه من تفسخ في الجمهوريات السوفيتية وتصدع في جبهة الاشتراكية العالمية بشكل عام من أهم العوامل التي ساعدت كثيراً من الدول على مراجعة نظمها السياسية والاقتصادية، وشجعت على التحرر من مظلة الحكم الشمولي وسيادة البيروقراطية الحكومية في نظم الاقتصاد المخطط مركزياً. وتبع هدم سور برلين إعادة توحد ألمانيا الغربية والشرقية وتحرر دول أوروبا الشرقية من نظم الحكم الشيوعي وتحولها بدرجات مختلفة إلى ديمقراطيات على النمط الغربي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والالتحاق بركب السوق الأوروبية والعملة الأوروبية الموحدة. وكان لزاماً على تلك الدول أن تأخذ بنظام اقتصاديات السوق وتتخلص من الملكية العامة لقطاعات الإنتاج والخروج من عزلتها الاقتصادية السابقة والاندماج في السوق العالمي. وقد امتد تأثير هذه الحركة نحو الديمقراطية واقتصاديات السوق إلى كثير من الدول خارج أوروبا في أفريقيا وآسيا ودول الشرق الأوسط وذلك بدرجات متباينة من العمق والنجاح. وقد ساعدت هذه الحركة التحررية على انطلاق مؤسسات ومنظمات واتفاقيات تسعى جميعها إلى تنمية التواصل العالمي وانفتاح الدول بعضها على بعض وإزالة القيود المانعة لحركة الأموال والقوى العاملة والمبادلات الاقتصادية بين دول العالم. وشهدت التعاملات في العملات والأوراق المالية وحركة الاستثمارات المباشرة طفرات هائلة في السنوات الأخيرة.
    وقد كان لتلك التحولات السياسية تأثيراتها الهائلة على قضايا الإنسان وتصاعد الاهتمام بأفكار حقوق الإنسان، واحترام حرية الإنسان في اختيار نوع العمل، وحمايته من البطالة، وتقييد حرية أصحاب الأعمال في فرض نظم وشروط التوظف. وتصاعدت حركات تسعى إلى تجريم تشغيل الأطفال، بل أصبحت هذه القضية أهم الشروط التي تنطوي عليها اتفاقيات التعاون والمشاركة بين الاتحاد الأوروبي وغيره من الدول. كما تجسد التحول السياسي على المستوى العالمي نحو النظم الليبرالية بشكل عام والقائمة على التعددية الحزبية، والديمقراطية النيابية بشكل أو بآخر. ومن ثم بدأت الدول والمنظمات في الاهتمام بالموارد البشرية وتوفير فرص التعليم الأفضل، والرعاية الصحية والاجتماعية، وتخصيص جوانب مهمة من الميزانيات العامة لمشروعات تشغيل العاطلين وتطوير نظم الضمان الاجتماعي وتعويضات البطالة. كل ذلك أنتج نوعية أفضل من الموارد البشرية ذات قدرات ومهارات أعلى، وبالتالي يتطلعون إلى أساليب أفضل في التعامل من جانب الإدارة المسئولة في المنظمات، ولا يقبلون الممارسات القديمة لإدارة الموارد البشرية التقليدية.
    الصحوة الثقافية والانتباه إلى أهمية التعليم
    انتبه العالم إلى أهمية الثقافة والتعليم في تحقيق النهضة والتنمية الوطنية، وسارعت معظم دول العالم إلى تبني خطط وبرامج طموحة لتطوير نظم التعليم بها على مختلف المستويات ووجهت نسباً متزايدة من الناتج القومي الإجمالي بها نحو تحسين نوعية التعليم وزيادة قدرته على استيعاب أعداد متصاعدة من السكان. وكان لانتشار الفضائيات وتقنيات المعلومات أثر هائل في تطور نظم التعليم المفتوح والتعليم من بعد والوصول بالخدمات التعليمية إلى ملايين السكان الراغبين في التعليم أينما كانوا ومهما تباعدت مواطنهم عن مصادر التعليم التقليدي في بلادهم. بل وتجاوزت إمكانيات التعليم من بعد حدود الدولة الواحدة وأتيحت لمواطني العالم الحصول على فرص للتعليم والحصول على خدمات تعليمية متطورة من مصادر أجنبية تبعد آلاف الأميال عن مقار إقامتهم. وأصبح مفهوم "التعليم مدى الحياة" هو السائد في معظم الدول، وتعمل منظمة اليونسكو على نشره وترويجه وتطوير آليات مساعدة للدول في تطبيقه. كما أصبحت القنوات الفضائية ونظم البث المباشر عبر الأقمار الصناعية التي تملأ السماوات المفتوحة الآن مصدراً رئيسياً للمعلومات والتأثير الثقافي المتبادل بين دول العالم عاملاً أساسياً في انصهار الثقافات المختلفة وبداية ظهور ثقافة عولمية.
    لقد أنتجت حركة التجديد والتطوير الثقافي والتعليمي واقعاً جديداً يعيشه الإنسان المعاصر يتميز بالانفتاح الفكري والتنوع الثقافي يسمح للإنسان تحصيل العلم والمعرفة في أي مكان وفي أي وقت وبتكلفة زهيدة. وكانت المحصلة المهمة لتلك الصحوة الثقافية والتعليمية أن توفرت للمنظمات المعاصرة نوعيات متفوقة من الموارد البشرية أطلق عليها بيتر دركر اسم "عمال المعرفة" الذين يشغلون الأعمال الأكثر أهمية والأعلى في إنتاج القيمة المضافة في المنظمات.
    الانتباه إلى البيئة
    اهتم العالم في السنوات الأخيرة بقضية البيئة وضرورة وضع النظم والضوابط الكفيلة بالمحافظة على سلامتها والقضاء على مصادر التلوث البيئي المختلفة وانعقدت لذلك المؤتمرات العالمية وشاركت الحكومات والمنظمات الدولية والوطنية في سباق كبير من أجل إصحاح البيئة، وانعكس هذا الاهتمام على مختلف مؤسسات المجتمع المعاصر الثقافية والتعليمية والإنتاجية ومنظمات المجتمع المدني على اختلاف توجهاتها. وتبلورت الصحوة البيئية في نظم وآليات للإنتاج تراعي متطلبات المحافظة على البيئة، وتطورت قواعد ومواصفات دولية يلزم الأخذ بها من أجل التأهل للتعامل في السوق العالمي والاندماج في هيكل العلاقات الدولية.
    ويمثل الإنسان والاهتمام به محور مشروعات التنمية المستدامة والمحافظة على البيئة، وبالتالي اهتمت الإدارة بتنمية مناخ العمل داخل المنظمات بما يتفق وأسس الإدارة البيئية السليمة. فقد اعتبرت الإدارة أن الإنسان هو محور الإنتاج أساس تحقيق القيم، ومن ثم تكون العناية به والاستثمار في مشروعات التنمية البشرية أساس للتقدم الإنتاجي.
    بزوغ عصر المعرفة
    يعرف العصر الحالي بعصر المعرفة ويتسم بسمات رئيسية تجعله مختلفاً إلى حد بعيد عما سبق من عصور سادت فيها فلسفات وتوجهات تعبر عن الزراعة أو الصناعة باعتبارها النشاط الإنساني الأساسي في تلك العصور. وتتبلور السمة المحورية لعصر المعرفة في الاهتمام المكثف بالإنسان وتنمية واستثمار قدراته الذهنية واعتباره الأساس في تحقيق أي تقدم أو تنمية بالمجتمع. وتفرع عن تلك السمة المحورية الاهتمام بالعلم والبحث العلمي كأساس لأي عمل، والاهتمام بتنمية التراكم المعرفي باعتباره الثروة الحقيقية للمجتمع، واعتبار المعرفة هي المعيار الأهم في تقييم البشر والمنظمات وما يتم بها من أنشطة وما يتحقق لها من إنجازات.
    وأصبحت المعرفة المصدر الحقيقي للسلطة التي يتمتع بها الإنسان أو المنظمة أو الدولة. فالمعرفة وليست المال أو المنصب الإداري أو النزعة السياسية هي مصدر السلطة الحقيقي في عصر ومجتمع المعرفة. وقد ترتب على ذلك الاهتمام بتكامل مصادر المعرفة وتنظيمها وتنميتها، وارتفاع أهمية وقيمة الأعمال ذات المحتوى المعرفي، واتجاه النسبة الغالبة من أفراد المجتمع إلى الاشتغال بها خاصة في صناعات الخدمات التي أصبحت تمثل النسب الأعلى في تكوين الناتج القومي الإجمالي للدول المتقدمة اقتصادياً وتقنياً ومعرفياً.
    وقد اكتشفت الإدارة أهمية المعرفة في بناء وتنمية القدرات المحورية للأفراد والجماعات والمنظمات والدول، ومن ثم اهتمت ببناء برامج تنمية وتوظيف المعرفة لتحقيق تحسين مستمر في العمليات والأنشطة الإنتاجية والخدمية، واكتشاف منتجات وخدمات جديدة. ويترتب على ذلك أن يصبح تخليق المعرفة هو العمل الأكثر أهمية وجدوى في المنظمات المعاصرة، وتصبح مشاركة جميع أفراد المنظمة في تكوين وتنمية وتوظيف واستثمار الرصيد المعرفي هي سمة التقدم الحقيقي. كما تبينت الإدارة كذلك أهمية التمييز بين المعرفة الكامنة أو الذاتية للفرد وبين المعرفة الخارجية التي تأتيه من مصادر بيئية خارجة عنه، وضرورة المزج بينهما حيث لا غنى لإحداهما عن الأخرى، وحيث يحدث التقدم المعرفي نتيجة الاحتكاك والتمازج بين هذين النوعين من المعرفة.
    3. الملامح الرئيسية لفلسفة "الإدارة الجديدة" نشأ عن حركة المتغيرات والتحولات واقع جديد وكذلك مفاهيم وتقنيات إدارية جديدة، تتسم بملامح ورؤى تتوافق مع الطبيعة العامة للعالم المعاصر القائم على الحركة والتغيير والعلم والتقنية والانفتاح والانتشار والتواصل. وتمثل هذه الأفكار الإدارية الجديدة الأساس الذي تبنى عليه فلسفة وتقنيات إدارة الموارد البشرية الاستراتيجية. وتعتمد فلسفة الإدارة الجديدة المفاهيم والتوجهات التالية كأساس لتنظيم وإدارة المنظمات على اختلافها [ومن ثم لإدارة الموارد البشرية بها]: - الاقتناع بأهمية المناخ الخارجي المحيط بالإدارة وضرورة التعامل معه وعدم الانحصار في داخل المنظمة. - التوجه بالسوق في كافة القرارات والاختيارات التي تتخذها الإدارة، وإعمال قواعد احتكام ومعايير تعكس ظروف السوق ومتطلباته. - السعي لإرضاء العملاء من خلال التفوق والتميز في تقديم المنتجات والخدمات في الوقت وبالأسلوب وفي المكان وبالشروط التي يقبلونها. - استثمار التقنيات الحديثة واستيعابها في تطوير نظم الإنتاج والتسويق وتطوير المنتجات وتحسين الأداء البشري. - استثمار تقنية المعلومات وإعادة التنظيم والهيكلة وتطوير الأساليب والعلاقات الإنتاجية والتسويقية والبشرية في ضوء إمكانيات تقنية المعلومات. - الترابط والتشابك بين قطاعات وإدارات ومستويات المنظمة الواحدة وفيما بينها وبين المنظمات الأخرى المحلية أو الخارجية ذات العلاقة. - تأكيد النظرة المستقبلية وإعمال التخطيط الاستراتيجي للتأثير في المستقبل وإعادة صياغة الحاضر بما يهيئ للانتقال إلى المستقبل الذي تسهم الإدارة في صناعته. - السعي لبناء وتأكيد القدرات التنافسية واعتبار المنافسة شرطاً أساسياً للبقاء في السوق. - الأخذ بمفهوم تجميع القدرات والطاقات وتوظيفها بشكل متكامل ومتناسق في تحقيق الأهداف والتعامل مع المنافسين. - استثمار وإدارة الوقت باعتباره مورداً رئيسياً يجب استغلاله على مدار الساعة والتحول عن فكرة أن الوقت قيد على حركة الإدارة. - تأكيد الجودة الشاملة في كافة مراحل ومناطق ومستويات الأداء، والنظر إلى الجودة في مفهومها الصحيح باعتبارها توجه فكري يع ثقافة المنظمة جميعها وليست مجرد مواصفات للسلع المنتجة وهي في النهاية تعبير عما يرضي العملاء. - التحول من النظرة المحلية الضيقة إلى التفكير والعمل في إطار مفهوم العولمة واعتبار المناخ المحيط بالمنظمة هو العالم كله وليس مجرد النطاق الجغرافي المحدود الذي يمثل الدولة أو المدينة التي تعمل بها المنظمة. - استثمار كافة الوسائل والبدائل الممكنة لبناء قدرة تنافسية متعالية ومن ذلك بناء التحالفات مع الآخرين حتى من المنافسين، وتكوين تكتلات أقوى لمواجهة متطلبات التطوير والتميز وتحسين القدرة على خدمة وإرضاء العملاء والمساهمين. - المرونة والحركية والتحرر من القوالب الجامدة وإتاحة الفرص لظهور تكوينات مختلفة ومتباينة ومتنافسة تعمل وفق نظم وآليات خاصة بكل منها داخل المنظمة الواحدة. - قبول التغيير باعتباره من حقائق الحياة التي ينبغي التعامل معها والاستفادة منها ومحاولة صنع التغيير، وبالتالي تعتبر الإدارة الجديدة في حقيقة الأمر هي إدارة التغيير. - الإيمان بمنطق العمل المتزامن بديلاً عن أسلوب ومنطق العمل بالتتابع والاستفادة في ذلك من تقنيات المعلومات. - الابتكار والتجديد والتنويع وتشجيع المبتكرين وإدماج الابتكار في نسيج العمل وآليات التنظيم عملاً بمبدأ "الابتكار أو الفناء". - تنمية وتمكين القيادات الإدارية ذات القدرة على التأثير وتحقيق الأهداف وإطلاق قوى الإبداع والابتكار والتطوير لدى الجميع متحررين من أسر المركزية التقليدية. - النظر إلى القادة باعتبارهم مدربين ومساندين ورعاة للعاملين وليسوا رؤساء ومسيطرين. - اتباع مفاهيم الملكية الخاصة وآلياتها حتى داخل شركات القطاع الخاص بتقسيم الشركة إلى وحدات استراتيجية أساسية تتعامل فيما بينها وفق معايير وآليات السوق وتحاسب على الربح والخسارة، وتأكيد طبيعة القادة الإداريين باعتبارهم رجال أعمال وليسوا موظفين. - دمج الملاك مع غيرهم من أصحاب المصلحة في المنظمة في تنظيم شامل ينسق بين مصالحهم ويلغي التناقض التقليدي فيما بينهم من أجل تعظيم فرص المنظمة باعتبارهم المصدر الحقيقي للنجاح والثروة الأساسية للشركة واتباع أفكار التمكين وبناء فرق العمل المتعاونة ذاتية الإدارة. - التأكيد على الأنشطة المعرفية ذات القيمة المضافة الأعلى والتخلص من الأنشطة غير ذات المحتوى المعرفي وإسنادها إلى جهات خارجية والعمل على تعظيم القيمة المضافة. - الاعتماد على نتائج العلم الحديثة والتقنيات المتطورة في العمل الإداري، وتنمية البحوث والتطوير باعتبارها أسس بناء القدرات التنافسية وتحقيق التميز والتفوق. - اعتبار الهياكل التنظيمية والأساليب الإدارية والإجراءات ونظم العمل كلها أدوات ووسائل نحو تحقيق الهداف وليست أهدافاً في ذاتها. ومن ثم التأكيد على أهمية تطوير وتغيير تلك العناصر بما يواكب التغيير في ظروف السوق وعناصر المناخ الخارجي وأوضاع المنافسة وتوقعات العملاء. - أهمية الاستعداد الدائم للتعامل مع المجهول وتوقع المخاطر والمشاكل وضرورة تجهيز الخطط المرنة وبرامج الطوارئ. - السرعة في رد الفعل أمام التغييرات وعدم الإبطاء في التعامل مع المتغيرات واستثمار تقنيات المعلومات وأسس التنظيم المرن ووحدات الأعمال الاستراتيجية لتحقيق تلك القدرة على الاستجابة السريعة والتفاعل اللحظي مع المتغيرات.
    4. الواقع الجديد تعيش المنظمات المعاصرة واقعاً مختلفاً نتيجة التحولات العديدة وتأثيراتها على نظام الأعمال. وتتضح مظاهر هذا الواقع الإداري الجديد في كثير من المنظمات على النحو التالي: - التحول في كثير من الشركات في العالم من حالة التأكد إلى حالة من الغموض وعدم التأكد في نظام الأعمال بسبب المنافسة المحلية والأجنبية، والمنافسة من رجال الأعمال الجدد ذوي الجرأة، وتعاظم التغييرات التقنية وغيرها من المتغيرات. - اضطراب الواقع الاقتصادي في العالم وعدم استقرار ما يسمى النظام العالمي الجديد، والتنافس على السيطرة الاقتصادية في العالم بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وأوروبا الموحدة، مع عودة نمور الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وأوروبا الموحدة، مع عودة نمور آسيا إلى استعادة توازنهم واستئناف عملية النمو بعد الأزمة الطاحنة التي اجتاحتهم في عام 1997. - تحلل المؤسسات التقليدية وظهور مؤسسات ونظم جديدة غير واضحة المعالم بعد. - اتجاه الكثير من الشركات الكبرى في العالم إلى الاندماج في أو التحالف مع أو الاستحواذ على شركات أخرى من أجل تكوين جبهات اقتصادية ذات قدرات تنافسية أعلى تمكنها من الصمود والبقاء في مناخ الأعمال العالمي الجديد. - بروز أهمية إدارة "التنوع" والتعامل مع المتناقضات، حيث تعمل المنظمات الآن في سوق عالمي وتستخدم موارد بشرية من مختلف الجنسيات وتقدم خدماتها لعملاء مختلفي الحضارات والثقافات والأذواق وتباشر عملياتها في إطار مجتمعات متباينة التقدم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وتتعايش مع نظم إدارية وسياسية وإدارات حكومية مختلفة. ويترتب على ذلك بروز أهمية المزج بين "العولمة- Globalization" و"المحلية-Localization "، مما أظهر تعبيراً جديداً يشير إلى تداخل هذين البعدين في عمل الإدارة وهو "Glocalization".
    5. الإدارة المعاصرة والنقلة الفكرية يمكن وصف ما حدث من تطورات في مفاهيم الإدارة المعاصرة بأنه نقلة فكرية Paradigm Shift أوجدت بناءاً فكرياً جديداً تستهدي به الإدارة الحديثة في صراعها من أجل البقاء. وتتلخص هذه النقلة الفكرية فيما يلي: - التحول من مجموعة ثابتة من المبادئ الإدارية الجامدة، إلى مجموعات من المفاهيم الإدارية المرنة والمتغيرة باستمرار. - التحول من الانحصار في الظروف والمحددات المحلية والإقليمية، إلى العولمة والمزج بينها وبين المحلية. - التحول من نظم الإنتاج القائم على العمليات اليدوية أو التماثلية Analogue والمستقلة بعضها عن بعض، إلى العمليات الإلكترونية والتقنية الرقمية Digital. - التحول من مفاهيم التخطيط الاستراتيجي والاستراتيجيات الرشيدة، إلى التفكير الاستراتيجي والابتكار وتنمية القدرات الرئيسية. - التحول من الهياكل التنظيمية الهرمية الجامدة المبنية على أساس التخصص وتقسيم العمل حسب أفكار تايلور وفورد، إلى الهياكل المرنة الشبكية والافتراضية المعتمدة على تقنيات المعلومات. - التحول عن أهداف الربح السريع وإرضاء أصحاب رأس المال، إلى هدف النمو المتواصل وإرضاء أصحاب المصلحة.
    هذه التحولات تعكس معاني الحركية والديناميكية والتطور المستمر والقابلية للتعليم والتكيف مع الظروف، كما تبرز الآثار المهمة لتقنيات المعلومات والتقنيات العالية بشكل عام، وتكرس السمات الأساسية المتمثلة في منظمة الأعمال الجديدة باعتبارها كائن حي يتعلم ويتطور ويتشابك مع غيره من الكائنات الحية في مناخ يتسم بالتعقد ويعتمد على التفكير والإبداع الإنساني والتراكم المعرفي المتواصل.
    6. انعكاسات الفكر الإداري الجديد على إدارة الموارد البشرية كان للتحولات الفكرية الجذرية في مفاهيم وتقنيات الإدارة المعاصرة تأثيراتها الواضحة على مفاهيم إدارة الموارد البشرية بدرجة واضحة. وتتمثل أهم تلك التأثيرات فيما يلي: - تغير النظرة إلى إدارة الموارد البشرية من كونها مجموعة أعمال إجرائية تتعلق بتنفيذ سياسات ونظم العاملين، إلى اعتبارها وظيفة استراتيجية تتعامل مع أهم موارد المنظمة وتتشابك مع الأهداف والاستراتيجيات العامة لها. - الانطلاق بفكر إدارة الموارد البشرية من الانحصار في مشكلات الاستقطاب والتوظيف للعاملين حسب احتياجات الإدارات التنفيذية المختلفة إلى الانشغال بقضية أكثر أهمية وحيوية وهي إدارة الأداء وتحقيق الإنتاجية الأعلى وتحسين الكفاءة والفعالية. - الارتفاع بمستوى القائمين على أعمال إدارة الموارد البشرية إلى مرتبة الإدارة العليا، فقد أصبحت وظيفة إدارة الموارد البشرية في كثير من المنظمات تعادل في مستواها التنظيمي إدارات الإنتاج والتسويق والتمويل. - إدماج أفكار وتقنيات إدارة التنوع في فلسفة إدارة الموارد البشرية للتعامل بكفاءة مع مختلف نوعيات العاملين في المنظمات ذات الاتجاه نحو العولمة. - الانتشار في عمليات البحث والاستقطاب إلى سوق العمل العالمي وعدم الانحصار في السوق المحلي بحثاً عن أفضل العناصر وأكثرها قدرة على تحقيق أهداف المنظمة بغض النظر عن اعتبارات الجنسية والمواطنة التقليدية. - النظر إلى مهام إدارة الموارد البشرية باعتبارها عمليات متكاملة ومترابطة، وليست إجراءات مستقلة ومنقطعة الصلة. وبهذا يمكن استثمار المعلومات والخبرات الناشئة من بعض العمليات في تطوير وتحسين كفاءة عمليات أخرى. - اعتبار تكلفة المهام التي تتولاها إدارة الموارد البشرية [مثل نفقات التدريب والتنمية، ونفقات تطوير النظم، ونفقات بناء استراتيجيات الموارد البشرية] على أنها نفقات استثمارية تدر عائداً على الاستثمار وليست مجرد نفقات إيرادية بدون مردود. - إدماج تقنيات المعلومات والاتصالات في عمليات إدارة الموارد البشرية والتحول نحو نظم وتقنيات إدارة الموارد البشرية الإلكترونية. - تبني مفاهيم وتقنيات إدارة الجودة الشاملة في عمليات إدارة الموارد البشرية، و

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 25, 2017 1:17 am